منتدى الحياة الموصلية

منتدى الحياة الموصلية

منتدى ( ادبي - علمي - ثقافي - رياضي )


    حكايات من القرية : المال المزكى

    شاطر
    avatar
    جاسم شلال
    مشرف مساعد
    مشرف مساعد

    عدد المساهمات : 392
    نقاط : 1143
    تاريخ التسجيل : 27/09/2010
    العمر : 49

    حكايات من القرية : المال المزكى

    مُساهمة من طرف جاسم شلال في السبت يوليو 02, 2011 11:56 am

    المال المزكى
    كان في كل عام يخرج زكاة ماله وزيادة وهي موقن ان الله يعطيه اكثر مما انفق كان بيته ماوى للغرباء والمحتاجين ويرعى اكثر من عائلة ايتام نشئوا في بيته وفي مجلسه تجد الفقراء قبل الاغنياء يتمتع بالخلق الرفيع والكرم فضلا عن الصبر هذا الكرم الذي يجعله دائما يعاني من الافلاس .
    كانت لديه فرس عربية اصلية من سلالة معروفة وان قلت هي لا تقدر بثمن وكانت لها مهره صغيره تخرج في كل يوم في القرية يركبها احد العاملين في بيت الشيخ تركي ثم يعود بها الى اسطبلها من جديد .
    استيقظت القرية على صهيل مهرة الشيخ المستمر واخذ الناس يسالون عن سبب صهيلها المستمر ذهب العاملون ليعرفوا السبب فوجدوا المهرة ولم يجدوا امها ، اخذوا البحث عنها في القرية وساروا خلف اثارها فوجدوها خرجت من القرية فذهبوا الى الشيخ مسرعين وكان نائما فايقظوه من نومه فسالهم عن السبب فقالوا ان الفرس سرقت ، قال ماتروح بعيد مزكية . فاخذوا يضحكون من قوله هذا ياشيخ ان الفرس سرقت ، فرد عليهم مكررا قوله مزكية اني اشتريتها من مال مزكى والله ضمن لمن زكي مال ان يحفظه له فالله حافظ مالي ولن تذهب بعيد ابحثوا عنها في الجوار ستجدونها ان شاء الله .
    استمر البحث من بعد الفجر بقليل الى قبل الظهر بقليل وفي اثناء سيرهم مع الشارع العام الذي يسير مع الحدود السورية واذا به على مقربة من الحدود السورية وعلى بضعة امتار منها بين الساتر الترابي الفاصل بين الحدود وبين الشارع العام جالس هناك يحتسي الشاي وبقي هذه الفترة الطويلة لايعرف الذي يجلس عنده لماذا هو جالس عنده هذه الفترة الطويلة .
    فالقوا القبض عليه وعادوا به الى القرية مع الفرس هنا اجتمع ابناء القرية كيف يدخل هذا الغريب الى قريتهم ويسرق فرس شيخهم انها تعد اهانة كبيرة في هذا المجتمع البدوي فارادوا معاقبته ، ولكن الشيخ تركي منعهم من ذلك وقال دعوه .
    قالوا سرق الفرس وتجاسر على القرية ، قال ان الفرس التي سرقت فرسي والبيت الذي تجاسر عليه هو بيتي اذهبوا واتوا له بغداء لهذا المسكين اني اظنه جائع ، وخائف في ان واحد ، والجائع والخائف لا يعرف كيف يفكر والتفت الى الحرامي قائلا له : اطمئن يُبا ( اي ابني ) لن يؤذيك احد وادخله المضيف واغلق الباب عليه بعد ان ادخل له الطعام والسكائر وقال انا ذاهب الى الجامع لاداء صلاة الظهر اياكم ثم اياكم ان يؤذيه احد او ان يفتح الباب حتى اعود اليكم .
    كان الجامع ملاصق لبيته الذي بناه والده قبل بنائه قصره الكبير وله باب على القصر صلى الظهر ثم خرج من الجامع واذا به يعود اليه مرة اخرى نظر الي والى استاذ فرحان امام وخطيب الجامع وابن عمه الشيخ نايف قائلا الا تاتون وتفكوني من هل المشكلة ، قلنا الحل بيدك انت من عليه ان يتخذ القرار المناسب بشانه ولا احد سوف يعترض عليك الحرامي حراميك ، واخذنا نضحك ، قال سيروا معي ولا تتكلموا بكلمة واحدة .
    فذهبنا معه الى بيته والناس محتشدة التفت الى الجمع الكبير امام قصره وقال ( شنسوي بهذا الولد ) ؟ فقال لهم ماذا نفعل بهذا ويقصد الحرامي .
    قالوا نسلمهم للشرطة بعد ان نعاقبه عقوبة شديدة وقال الاخر لابد ان نتعرف على اهله ومن ارسله لسرقة فرسك .
    وكثرة الاراء وتعددت ونظر الينا وكنا نقف على جنب بعدها مشى ووصل قال لنا الاستاذ فرحان : نحن نعرف ماذا يريد ، يريد ان يقول له انسان اعفوا عنه قال : ياابا شعلان اعفوا عنه والله سبحانه وتعالى اوصى بالعفو قال عفينا عنه .
    اعترض الحاضرون على كلامنا وتوجهوا بالكلام الى استاذ فرحان لو انت لم تعفو عنه قال نعم قالوا كيف تنصحه بالعفو اذن قال لانه شيخ من سلالة كريمة وصاحبة دين وهو يريد هذا الكلام اليس كذلك يا ابا شعلان قال نعم كنت ابحث عن شخص يقول لي هذا .
    دخل داره ثم خرج منها وقال لا احد العاملين خذ سيارتي واذهب به الى الناحية ثم استاجر سيارة واصله الى اهله بعد ان تخبرهم بما فعل اني اخشى عليه ولا تعد حتى تسلمه بيد ابيه .
    واخذ احد الاشخاص يضحك ويقول له بعد ان ذهبوا به يا ابا شعلان انك نسيت امرا لم تفعله لهذا الحرامي وهذا لايجوز بحقك ؟
    مستهزئا بهذا القول وهو لايريد الجد منه ، قال له: ماهو ؟ قال لم تعطه خرجية ( اي مبلغ من المال ) قال ليس تحت يدي الان نقود ودخلت لاقترض من اهلي فرضوا وقالوا انك تريد ان تعطي هذا المال للرجل الحرامي والله لانعطيك ابدا، واخذ اهل القرية يضحكون ومتعجبين من صبره وكرمه وحسن خلقه وثقته برب العالمين ان ماله لا يفقد او ان يحصل له مكرموه انه الايمان والثقة بالله التي حينما يودعها العبد في مولاه لا يخيب ابدا لانه توكل على رب الارباب ومن بيده مقاليد السموات والارض .
    *****
    اعتاد الحاج عمر اخراج زكاة ماله فاذا قام بحصاد محصوله من الحنطة والشعير اخرج الزكاة في الحقل من كل عشرة اكياس من المحصول كيس على جنب وكان لايتخلف عن ادائها ولا عن تاخيرها ابدا .
    باشر اهل القرية حصاد محاصيلهم وكان الامر يسير على احسن ما يرام لانه اخذ بالتدرج من ارض الى اخرى كانت الحاصدات في زرع اخيه .
    ذهب الحاج عمر الى بيته واخلد الى النوم في فترة القيلولة كان بيته وبيت اخيه البيتان الوحيدان في القرى اللذان يوجد فيهما كهرباء لوجود مولد لهما .
    خرجت الحاصدة شرارة من نار ، واحرقت الارض التي تم حصادها وسارت النار فيها هرع الناس لاطفائها من اهل القرية ومن القرى المجاورة ولكنهم لا يستطيعون اخمادها وذلك لارتفاع سرعة الرياح وكانت رياح غربية ساقت النار باتجاه زرع الحاج عمر دون ان تؤذي ارض اخيه وهي سائرة فيها في الارض التي تم حصادها .
    هرع العاملون الى الحاج عمر واخبروه ان النار انتشرت في الارض المحصودة من ارض اخيه وهي متجهة الان الى زرعه والريح قوية وهي سائرة باتجاهه ، قال الحاج ايّ زرع قالوا زرعك ، قال : انا لا يوجد زرع عندي ، قالوا كيف وهذه ( 600) دونم التي زرعتها بمحصول الحنطة ، قال: انا في كل سنة اخرج زكاة مالي وفي هذه السنة لم اخرجها بعد المال ليس مالي المال معي شريك فيه قالوا من هو لنخبره قال الفقراء اليست الزكاة لهم فهم شركائي به واذا اراد الله ان يمنعهم نصيبهم في هذا المال ويحرمني معهم انا راضي بقضائه وقدره اعملوا لي شاي حتى اشربه وارادوا منه الذهاب الى الحقل ولكنه رفض وشرب الشاي فلما سار ووصل وجد الناس يسيرون خلف النار لاطفائها ولا احد يستطيع ان يتقدم امامها لارتفاع سناها وشدة حرارته .
    كلهم يحاول الاطفاء الا رجل واحد فرش مصلاه على جنب واخذ يصلي ورفع يداه وتوجه الى الله بالدعاء ويداه ممتدتان نحو السماء انه الحاج محمود امام وخطيب جامع القرية .
    بلغت القلوب الحناجر وكانه اسقط بايدي الناس واخذوا لا يتحركون منتظرين مايحدث وهم ينظرون الى الحاج عمر والنار دخلت ارضه وهو يقول ان النار لاتحرق زرعي ، كيف لاتحرقه وهي باشرت بحرقه انه اليقين بوعد الله اخذ الحاج عمر يصرخ بهم لا تيئسوا من روح الله ان النار لاتحرق زرعي انه مال مزكى .
    وسارت النار في زرع الحاج عمر لامتار عديدة ، واخذ الحاج عمر يتمتم بكلمات غير مفهومات لانخفاض صوته رافعا بصره الى السماء، واذا بالريح قد تغير اتجاهها فاصبحت الان شمالية بعد ان كانت غربية واخذت تسير في الارض مع طولها داخلة فيها لمسافة عشرة امتار فقط الى ان وصلت الى نهاية الارض ولكن صاحب الارض المجاورة اخذ يصرخ ويستنجد لان النار قادمة الى ارضه فتغير اتجاه الريح مرة اخرى واصبح اتجاهها شرقي فعادت الى الارض التي تم حرقها من قبل وانطفات من جديد ان الذي تم احراقه من ارض الحاج عمر سوى عشرة امتار عرضا وطولا لمسافة مائة متر .
    التفت الحاج عمر الى العاملون عنده وقال انكم سُراق، اخذ الناس يهدئون من روعه وهم يحمدون الله ان ارضه لم تحترق والا احترقت اراض المنطقة كلها .
    فقال الحاج عمر ان الارض المحروقة هي بمقدار الزكاة التي لم تخرج من العام الماضي التي قام بسرقتها هؤلاء . ان في زكاتي خلل لماذا لم تخرجوا الزكاة بصورة صحيحة .
    ياله من ايمان راسخ كالجبال وثقة برب السماء نار تحرق كل شيء في طريقها ارعبت منطقة كاملة الناس اخذت تهرب بمواشيها لانها قادمة وقرى دخلت انذار منها ، وهو يقف ويصرخ بالناس انها لاتحرق زرعي انها لاتحرق زرعي انه مال مزكى ، وهذا لم اخرج زكاته بعد .
    سال الناس الحاج عمر عن تلك الكلمات التي تكلمهنَّ بصوت خافت غير مسموع ، وهو رافعا بصره الى السماء وفي كل يوم يسال هذا السؤال في مجلسه .
    فاستجاب لهم وقال : قلت يارب انه زرعك وليس زرعي ان احرقته النار فبعدلك وان انجيته فبرحمتك واني لست اهل لذلك ولكن لاجل الفقراء الذين ينتظرون في بيتي منذ ايام كي احصد واخرج الزكاة لهم لاجل هؤلاء لاتحرقه يارب.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 10:01 am