منتدى الحياة الموصلية

منتدى الحياة الموصلية

منتدى ( ادبي - علمي - ثقافي - رياضي )


    حكايات من القرية :سالم يتيم القرية

    شاطر
    avatar
    جاسم شلال
    مشرف مساعد
    مشرف مساعد

    عدد المساهمات : 392
    نقاط : 1143
    تاريخ التسجيل : 27/09/2010
    العمر : 49

    حكايات من القرية :سالم يتيم القرية

    مُساهمة من طرف جاسم شلال في السبت يوليو 02, 2011 12:07 pm

    يتيم القرية
    كان خلف يتمتع بالقوة والشباب تزوج ابنت عمه وتحملَّ اعباء عائلته واخوته بعد وفاة ابيه وبعد ان قام بتزويج اخوته اعطى كل واحد منهم حقه في ميراث ابيهم وقسموا كل شيء بينهم الاربعة اعترضت ام خلف على ذلك وقالت ان نصف المال او اكثر هو ملك لخلف لانه من عمله وكده ولكنه رفض واقرَّ القسمة كما هي .
    كان حريصا على تعليم ابنه سالم ويتمنى ان يصبح ضابطا في الجيش العراقي وكلما نظر الى قوام السالم المنتصب الجميل قال انه هيكل ضابط .
    مرض خلف واقعده المرض لمدة عام كامل دون ان يقدم له اخوته اي مساعدة او عون بل تحملت ام سالم اعباء عائلتها دون ان تطلب من احدهم شيئا .
    نادى خلف ولده سالم وقبله وضمه الى صدره وهو يبكي بشدة وام سالم تحاول ان تخفف عنه ولكنها تعلم سبب بكائه هي الخشية من المجهول بالنسبة لهذه الزوجة الجميلة الصغيرة وما سيؤول اليه مصير ولده سالم واخواته .
    قال : ياام سالم اظن ان اجلي قد حان ولكن عندي وصيتان اوصيك بهما وارجو من الله ان يعينك عليهما .
    قالت : ماهما ، قال: الاولى ان لا تتزوجي فان اشقائي واشقائك سيسعون الى ان يزوجوك طمعا بالارض والدار فاذا استولوا عليهما فان مصيرك في الشارع .
    والثانية : ان لا تدعي سالم يترك دراسته حتى يكملها ويصبح ضابطا في الجيش ويحقق امنيتي ، وانا اعلم ان هذا الامر ثقيل عليك ولا تستطعين تحملَّ اعبائه واعانك الله عليه .
    امسكت ام سالم يد ابي سالم وقبلتها ووضعتها على صدرها وهي تبكي ، وقالت يا ابا سالم والله لو ابيع ملفعي ( هو الغطاء الذي تغطي به المراة القروية راسها وصدرها ) لن ادعه يترك الدراسة ابدا ، واطال الله في عمرك لاتخيفنا عليك صحتك جيدة بحمد الله تعالى ، نم قرير العين يا ابا سالم ، واخلد ابو سالم الى نومه والابتسامة تعلو محياه ، وام سالم الى جنبه فلما استيقظت لصلاة الفجر ارادة ايقاظه لاداء الصلاة واذا بابي سالم فارق الحياة .
    اجهشت عليه بالبكاء ثم قامت بايقاض بناتها وارسلت الى ابيها واخواتها واشقاء زوجها تعلمهم بوفاة زوجها خلف ، فجاءوا جميعا فوجدوا سالما نائما في فراشه قام عمه بركله برجله ، وهو يقول له : قم ياثور تنام ، وابوك ميت فزع الطفل الصغير اذ كان في الصف الثالث الابتدائي وهو لا يعلم شيئا نظر الى امه واخواله واعمامه وقال ما الامر ؟ قالوا : ان اباك فارق الحياة .
    انكب سالم على جثة ابيه وهو يبكي ويقول من لي بعدك ياابي ، غضبت ام سالم لضرب ولدها ولكنها صبرت وقال بصوت مرتفع اليوم ليس يوم خصام ، فقاموا بدفنه وبعد انتهاء مجلس العزاء ، جاء الاب والاخوة مع اشقاء الزوج الى ام سالم . فقالوا ماذا تفعلين يا ام سالم بعد وفاة زوجك ، فهمت ام سالم مقصدهم جميعا وماذا يردون منها ، التفتت الى اشقاء ابي سالم ، وقالت : ان اخاكم لم يمت الان وانما مات من قبل عام ، فمنذ اصابته بالمرض لم يدخل الى دارنا دينار ولا درهم واحد من كده وعمله ، بل انا من كنت يقوم على علاجه فماذا فعلتم انتم لاخيكم الاكبر ، الذي كان بمثابة الاب لكم ؟ لاشيء ، اطمانوا انا لا انتظر منكم شيئا سوى ان تتركوني بحالي انا واولادي ، كي اقوم على تربيتهم وانفذ وصية خلف في تعليم ولده وان اجعل منه ضابطا في الجيش اخذوا جميعا بالضحك واشاروا الى سالم وقالوا هذا يصبح ضابط ، انتهى اللقاء وهي تعلم ان هذا اللقاء ماهو الا مرحلة انتقالية لما يردونه فيما بعد وبعد عدة اشهر عقد المجلس مرة اخرى وطلب من ام سالم ان تقبل بالزواج من احد ابناء عمها مدعين انها شابة ولا يجوز ان تبقى وحدها وانهم يخشون عليها من السنة الناس رضخت ام سالم لمطلبهم وانتقلت بسكنها الى دار ابيها مع ابنها وبناتها الثلاث وابتنت لها غرفة صغيرة من طين ملاصقة لدار ابيها .
    استولى الاب والاعمام على القسم الاكبر من الارض وهي راضية بذلك لكي لا يجبروها على الزواج اكمل سالم دراسته الابتدائية في مدرسة القرية وكان عليه ان يلتحق بالدراسة المتوسطة فكانت اقرب مدرسة تبعد عن قريته (10) كم في القرية المجاورة .
    اخذت ام سالم تحث اهالي الطلبة الذين اكملوا دراستهم مع سالم لتدريس ابنائهم وهدفها في ذلك ان يكون لسالم رفيق في دراسته ولكن دون جدوى .
    ابتدا العام الدراسي وضعت ام سالم سالما على حمار لها وركبت خلفه وسارت به الى القرية المجاورة وسجلته في مدرستها وباشرت معه تقوم في كل يوم بايصاله الى المدرسة وتجلس تحت سورها تنتظر انتهاء سالم من دروسه فاذا اكمل وخرج سالم عادت به الى القرية وهي تعاني من شدة وضيق في حياتها فضلا عن ان اهالي القرية اخذوا يهاجمونها ولكنها امراة قوية صابرة ذات موقف تصلب من الصعب اثنائها عنه ولا تتغير كثيرا لما يقوله اشقائها واشقاء زوجها واهل قريتها لانها لاتفعل منكرا ابدا . كلمها والدها فقال لها : ياابنتي تسمعين ماتسمعين من اجل ذهابك الى القرية المجاورة من اجل تعليم ابنك وهذا شيء جيد ولكن الناس لا تدع احدا بحاله حافظي على سمعت ابيك واخوتك .
    ادركت ام سالم ليس الهدف هو السمعة والمحافظة على الشرف وانما الهدف هو منع ولدها من اكمال تعليمه فقد مضى اكثر من سنتين ولا احد يتكلم لماذا الكلام كثر في السنة الثالثة لان سالما سوف ينهي دراسته المتوسطة بعد شهرين وهم بذلك يريدون ان يترك سالم المدرسة .
    قالت ام سالم لسالم : يابني ان اهل القرية يريدون ان يحولوا بينك وبين تعليمك انهم اعداء لك فاحرص على الانتصار عليهم ولبي رغبة ابيك الذي كان في لحظات النزع يوصي بتعليمك فكن كما عهدك ولا تخيب ظنه بك وظني اذهب وحدك وعد وحدك فانت الان رجل لا تحتاج الى احد .
    اخذت ام سالم توصله الى نهاية حدود ارض القرية ولا تتجاوزها ، وتصعد اعلى التل وتنظر الى سالم حتى يصل الى مدرسته سالما ، وتنتظره في حال عودته كذلك ، وتاتي به الى القرية على مراى ومسمع من اهل القرية فكان هذا حلا وسطا فماذا سيقولون هي جالسة امام اعينهم ينظرون اليها .
    اكمل سالم دراسته المتوسطة وهنا المشكلة الكبرى فعليه ان يكمل دراسته الاعدادية ومدتها سنتان بعد المتوسطة في مدينة اربيل ، ولكن ماذا تفعل اخذت سالما الى دار خالها في مدينة اربيل ، وسجل في الاعدادية القريبة من سكن خال امه .
    راى سالم ان خال والدته لديه عددا من البنات فرفض السكن معهم حياءا لانه ابن قرية لم يعتد الحديث مع الناس ولاسيما اذا كن بنات مدينة .
    اراد سالم العودة مع امه ولكنها رفضت ولم تسافر الى القرية لعلها تثنيه عن قراره هذا ، واخذت ام سالم تبكي امامه وهي تذكره بايام الدراسة كيف كانت تبقى تحت الامطار وتحت اشعة الشمس الملهبة ، وكيف كانت تتعرض لكلام اهل القرية الجارح والكلمات التي كانوا يقولونها لسالم في ذهابه وايابه الى المدرسة : مرحبا ايها الضابط على سبيل السخرية والاستهزاء ، ولكن سالما اتخذ القرار وكانه لا رجعة فيه تالمت كثيرا من سالم واخذت تجهش بالبكاء طوال ثلاثة ايام وسالم رافض للدراسة في دار خال امه لف الحزن دار الخال فاخذت بنات الخال وزوجته يبكين لبكاء ام سالم انتشر الخبر عند الجيران جاء الحاج مصطفى الى دار الخال وقال لسالم : لماذا لا تاتي وتسكن عندي فليس لدي سوى زوجتي وهي كبيرة بالسن وسوف تكون غرفتك شبه منفصلة عن داري اذ هي خارج الدار كنت اعددتها للضيوف الذين يزورونني من ابناء القرية وسوف اقوم بتاجيرها لك اذا شئت .
    لم يتكلم سالم فقال الخال وام سالم : موافقون نظروا الى سالم ، فقالوا : ماذا تقول ؟ قام الحاج مصطفى بمسك سالم من يده واخذه رغما عنه الى داره وبعد ان اراه الدار وملقحاتها وانه سكن شبه مستقل ، قبل سالم على مضض ، وقال : انا موافق .
    فرحت امه ولكن جاءها عبء اخر الى اعبائها الكثيرة فهو اجرت الغرفة واطعام سالم فلم تكن فرحة بهذا الاتفاق .
    قال لها الخال لا تحزني يا ام سالم فاجار الغرفة عليّ واطعام سالم سيكون من بيت بحكم الجيرة فهو ليس بعيد عني فرحت ام سالم واخذت تدعو لخالها لفعلته هذه .
    رفض الحاج مصطفى ان يكون قد اجر غرفته فقال انه ابن اختي واسكنته في بيتي .
    عادت ام سالم وهي مطمئنة على سالم انه بايدي امينة فاخذ الخال يرعاه فضلا عن الحاج مصطفى وتقوم بنات الخال بغسل ملابسه وكيها له .
    وكانت الام تزوره بين فترة واخرى محملة ببعض البيض الذي تشتريه من نساء القرية لتبيعه في السوق فتسد اجرة نقلها ذهابا وايابا ومابقي منه تهبه لسالم ، واذا جاء في الاجازة اخذ اهل القرية ينادونه بالضابط ايقنوا ان هذا الشاب وهذه العزيمة من قبل هذه المراة واصرارها على الوفاء بوعدها لزوجها الحبيب كان سالم لايشعر ماذا تفعل امه فقد باعت سلاح ابيه من بندقية ومسدس وبعض الاشياء الاخرى لتوفر لسالم بعض النقود التي يستعين بها على قضاء حوائجه .
    تاثر سالم باحد الاساتذة الذين كانوا يدرسونه وفي احد الايام قال الاستاذ كنت طالبا وكنت اعمل في بعض العطل لاوفر لنفسي بعض المتطلبات التي قد تكون ليس بضرورية سمع سالم هذا الكلام وقال لاستاذه انا وضعي كذا قال اعرف بدل النزول يوم الخميس والعودة في يوم الجمعة اعمل في هذين اليومين وبذلك توفر لنفسك دخلا اضافيا ولا تخسر اجرة الذهاب والاياب ويكفي في الشهر ان تزور اهلك مرة واحدة .
    عرض سالم ان يساعد خال امه في مخبزه وان يعمل لديه خبازا فرح الخال كثيرا لانه يريد ان يقدم المساعدة له وبذلك حسن سالم من دخله .
    اكمل سالم دراسته الاعدادية والتحق بالكلية العسكرية ، وفي احد الايام دخل سالم القرية ببزته العسكرية وهو يحمل الحقيبة بيده والعصا تحت ابطيه منتصب القامة يسير بخطوات واسعة كانه في ساحة العرضات على عادة طلاب الكلية العسكرية العراقية .
    سمعت ام سالم زغردة لاحدى نساء القرية وهي تقول لسالم مبروك ياولدي ، وجاء احد الاطفال يركض ليبلغ ام سالم طرق الباب بشدة فتحت ام سالم الباب قال ياخاله : جاء الضابط عرفت ام سالم ان المقصود هو ولدها سالم ، خرجت تركض بسرعة متناهية من دارها واصبحت في وسط القرية اقترب سالم منها والدموع تنزل من عينيها وهي تزغرد ادى لها سالم التحية واحتضنته امه وهي تبكي فرحا بسالم وتزغرد وضع سالم احدى ركبتيه على الارض واخذ يد امه وهو يقبلها محاولا النزول الى قدميها ليقبلهما ، ولكن امه حالت دون ذلك فامسكت به من تحت ابطيه ورفعته للاعلى واحتضنته بقوة واخذت تقبله وهي تبكي فرحا ، ونساء القرية يبكين لبكائها ، سار سالم مع والدته الى دارهما ، وكانه في ليلة عرسه ركضت ام سالم الى دار والدها واخذت بندقيته واخذت تطلق الرصاص منها ابتهاجا بولدها سالم الذي سوف يكون ضابطا في الجيش العراقي .
    اصبحت دار سالم ملئا بالشباب الذين جاءوا للسلام على سالم وتهنئته وكذلك النسوة واصبح دار الجد كانه عرس لم تشهد مثله القرية من قبل ، واخذوا يسالون سالما عن كليته واحواله وهو يقص عليهم تدريباته فيها .
    تخرج سالم من كليته واصبح ضابطا في الجيش العراقي ، ارادت امه ان تزوجه من بعض فتيات القرية فقابلها سالم بالرفض فقالت امه الا تريد الزواج قال: لا ، وبعد فترة تبين ان سالما يريد الزواج من ابنة خال امه ، وكانت طالبة في احدى الكليات وكان سالم ينتظر تخرجها كي يبوح لامه بحبه لها ولكن الام عرفت هدف سالم بطريقة ما ، فتقدمت لخطبتها له ، وبعد انتهائها من دراستها تزوجها سالم .
    نقل سالم سكنه الى مدينة اربيل ونقل امه معه وهي لاتريد الذهاب معه ولكن وافقت بعد الحاح سالم عليها تدرج سالم في خدمته حتى اصبح برتبة لواء ، ثم اصبح عضوا في المجلس الوطني ، ثم وكيل لاحدى الوزارات العراقية ، قامت الحكومة بشق طريق الى قريته التي ولد فيها وابتنت فيها مسجدا ومركزا صحيا فهي قرية وكيل الوزير.
    هذا اليتيم الذي كان يسخر منه اهل القرية في طفولته اخذ ابناء القرية والقرى المجاورة يفتخرون به ، واذا سُئل احدهم من انت ؟ يقول : انا من القبيلة الفلانية وانا من اقرباء اللواء سالم .
    ولم يعد سالم الضابط الوحيد في القرية بل اصبح في كل بيت من بيوتها ضابط والسبب في ذلك لسالم اليتيم فهو اصبح قدوة لابناء القرية الذين يريدون ان يكونون مثله .
    كانوا يقبلون بتزكية من اللواء سالم فاذا اكمل احدهم الاعدادية ذهب الى عمه سالم ليقوم بقبوله بالكلية العسكرية او كلية الشرطة او كلية القوة الجوية فسالم اليتيم فاخذ جميع ابناء القرية ينادونه بالعم سالم .
    فسالم لم يغير حياته فحسب وانما كان سببا في تغيير حياة الكثير من شباب القرية والمنطقة معا والفضل بعد فضل الله تعالى يعود الى ام سالم .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 1:55 am