منتدى الحياة الموصلية

منتدى الحياة الموصلية

منتدى ( ادبي - علمي - ثقافي - رياضي )


    حكايات من القرية : الرجل الذي ينتظر اجله

    شاطر
    avatar
    جاسم شلال
    مشرف مساعد
    مشرف مساعد

    عدد المساهمات : 392
    نقاط : 1143
    تاريخ التسجيل : 27/09/2010
    العمر : 49

    حكايات من القرية : الرجل الذي ينتظر اجله

    مُساهمة من طرف جاسم شلال في الخميس سبتمبر 29, 2011 3:16 pm

    الرجل الذي ينتظر أجله
    في شهر رمضان المبارك وعلى أبواب عيد الفطر ، أصاب القرية مرض فتاك نشر الرعب بين أفرادها ، فمات العديد من الرجال والنساء والأطفال بسببه ،كان البلاء على اشده ، وكان مشهد الموت يتكرر في كل يوم قتل المرض جميع رجال أسرته ، مات أبوه وبعد أيام قلائل مات عمه ثم أخوه الأكبر ، لم يبق منها سواه وأخاه الأصغر .
    أصابه المرض ، أيقن الفتى الصغير ( علي ) الذي لم يبلغ الحلم بعد ، أنه ميت لا محالة ،إن المصائب التي نزلت بأسرته اكبر من أن يحتملها هذا الفتى الصغير ، فهده المرض ، كانت أمه تبكي عليه كثيرا وهي تقول له متى تقف على قدميك وتستطيع الاعتماد عليهما في المسير إنها تخشى عليه من الموت .
    دخل داره رجلان يلبسان لباساً أبيض اللون وعلى محياهم سيماء الصلاح ولا يعرفهما ، قال في نفسه إنهما رسولا ربي لأخذ روحي ، أسرع ( علي ) بفرش سجادة أمه وأخذ يصلي بغير طهر وكان لايعرف كيف يصلي لأنه لم يسجد لله ولا مرة واحدة ، أطال قيام صلاته وقيامها وركوعها وسجودها خوفاً منهما، ولم يسلم بين كل ركعتين بل صلى أكثر من عشرين ركعة بلا تسليمة ، فقالا له : أخرج من الصلاة عندنا كلام معك ولكنه رفض الخروج ورفع لهما كتفيه ، علامة على رفضه .
    كان يرقبهما ويختلس النظر إليهما بين حين وآخر مخافة أن يهجما عليه ، وكان يخشى احدهما رأى فيه غلظة فإذا وقع نظره عليه اقشعر جلده وقف شعر رأسه .
    غضب أحدهما وقال للآخر : لننصرف دعه الآن إنه مريض مسكين ، فإذا تشافا من مرضه عدنا إليه من جديد ، ولكن صاحبه ( الذي يخشاه علي ) رفض ذلك بل أصرَّ على البقاء وبعد فترة قالا له : لو تبقى تصلي خمسين سنة نحن قادمان لك لأخذ روحك كما فعلنا بأبيك وعمك وأخيك ، خرج عن صمته المعهود وقال لهما: سأبقى أصلى خمسين سنة ولن تستطيعا أخذ روحي في صلاتي .
    قال أحدهما : أبقى صلي خمسين سنة ، ثم انصرفا خارج الدار .
    فقال علي : ياالله لو أخذا روحي كيف كان حالي ، كنت أموت عاصياً لله سبحانه وتعالى وسيكون مصيري جهنم ، إنهما سيعودان عمّا قريب واني لاحق بابي وعمي وأخي ، اخذ يصلي ، متمسكاً بصلاته ، وتعلم القرآن وأصبح إماماً وخطيباً للقرية ، فكان يترك فراشه الدافيء في الشتاء ويسير في أرض موحلة وربما يسقط على الارض ، ليؤذن في مسجد القرية الصغير لصلاة الفجر ، فكان يؤذن ويصلي وحدّه إلا نادراً لسنوات طوال .
    تزوج من ابنة عمه التي تكبره بعشر سنين ، فتكاثرت عليه النعم ، فإذا مرض وعاده أحد أفراد القرية كان دائماً يقول : لن أموت الآن لم أبلغ الخمسين سنة ، بعد مرضي ذاك ، إني أعرف أجلي ، فلما بلغ الخمسين بعد تلك الحادثة استعد للقاء الملكين الكريمين ، وهو يقول : أنا انتظر رسل ربي مرحباً بهم متى قدموا إليَّ أنا بانتظارهم ، لذلك كان يبقى دائماً على طهارة .
    صلى صلاة الجمعة في مسجد القرية ، حمل إبريق الماء وأخذ يتوضأ لصلاة العصر ، فلما أكمل وضوءه ، سقط على الأرض أمام أنظار أسرته ، هرعوا إليه أخذوا بتقليبه ولكن لا حراك له ، كان مشيراً بسبابته كأنه تلفظ بكلمة التوحيد قبل وفاته ، فارق الحياة ذهبت روحه إلى بارئها بعد انتظار لأجله ورسل ربه لخمسين عاماً لقد تحقق اللقاء الذي دام طويلاً ،لقد سمعنا هذه الحكاية منه كثيراً في كل مجلس عزاء يرددها ويقول أنا انتظرهما .


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 10:01 am